أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
188
العقد الفريد
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للأرامل فنظر إليها وقال : ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ثم أغمي عليه فقالت : لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر قالت : فنظر إليّ كالغضبان وقال لي : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ « 1 » . ثم قال : انظروا ملاءتيّ فاغسلوهما وكفّنوني فيهما ؛ فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت . وقال معاوية حين حضرته الوفاة : ألا ليتني لم أغن في الملك ساعة * ولم أك في اللّذّات أعشى النّواظر « 2 » وكنت كذي طمرين عاش ببلغة * ليالي حتى زار ضنك المقابر « 3 » لما ثقل معاوية ويزيد غائب ، أقبل يزيد فوجد عثمان بن محمد بن سفيان جالسا ، فأخذ بيده ودخل على معاوية وهو يجود بنفسه ، فكلمه يزيد فلم يكلمه ، فبكى يزيد ، وتضوّر « 4 » معاوية ساعة ، ثم قال : أي بني ، إن أعظم ما أخاف اللّه فيه ما كنت أصنع بك يا بنيّ . إني خرجت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فكان إذا مضى لحاجته وتوضأ أصب الماء على يديه ، فنظر إلى قميص لي قد انخرق من عاتقي ، فقال لي : يا معاوية ، ألا أكسوك قميصا ؟ قلت : بلى . فكساني قميصا لم ألبسه إلا لبسة واحدة ، وهو عندي . واجتزّ ذات يوم فأخذت جزازة شعره ، وقلامة أظفاره ، فجعلت ذلك في قارورة ، فإذا مت يا بني فاغسلني ثم اجعل ذلك الشعر والأظفار في عيني ومنخري وفمي ، ثم اجعل قميص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم شعارا من تحت كفني . إن نفع شيء نفع هذا . لما احتضر عمرو بن العاص ، جمع بنيه فقال : يا بنيّ ، ما تغنون عني من أمر اللّه شيئا ! قالوا : يا أبت ، إنه الموت ، ولو كان غيره لوقيناك بأنفسنا . فقال : أسندوني .
--> ( 1 ) سورة ق الآية 19 . ( 2 ) الأعشى : الذي يسوء بصره ليلا . ( 3 ) البلغة : ما يكفي لسد الحاجات ولا يفضل عنها . ( 4 ) التضور : التلوي من وجع .